الجزء الخامس من حياة الملفان بولس بهنام المفقودة بين طيات الزمان

تلميذة المطران

مراقب عام
مشاركات: 114

الجزء الخامس من حياة الملفان بولس بهنام المفقودة بين طيات الزمان

مشاركة#1 » الجمعة يونيو 24, 2011 2:25 pm


الجزء الخامس من
حياة الملفان بولس بهنام
المفقودة بين طيات الزمان


صورة

٨ ـ انتخابه مطرانا : ـ
في سنة ١٩٥١ رقد بالرب المطران أثناسيوس توما قصير ، فطلب الموصليون إلى قداسة البطريرك إن يرسمه مطرانا على أبرشيتهم وتلبية لرغباتهم عينه نائبا بطريركيا ، وفي السنة ذاتها قدم أطروحته في علم النفس عن مارسويريوس موسى بن كيفا الفيلسوف السرياني(٩٠٣م) ، فمنحه المثلث الرحمات مار أفرام الأول برصوم رتبة الملفان في الفلسفة واللاهوت . يقول عن المشرق : " وأقول متأسفاً إن الأجيال بخست حق هذا المؤلف النفيس ، فتركته في ظلمة المكتبات إلى الآن ، كما أن المستشرقين أيضا لم يعرفوا قيمته الحقيقة ، وإننا في أعدادنا القادمة سنظهر هذه الفلسفة لقرائنا الكرام عسانا نفي بعض الديون الروحية التي تركتها الأجيال الماضية بأعناقنا . ( لسان المشرق ، سنة ٢ ، ع. ١ ، ١٩٤٩ ، ص . ٣٣ )
في السادس من نيسان (ابريل) رسمه البطريرك أفرام الأول مطرانا للموصل وكان ذلك في كنيسة أم الزنار في حمص (سوريا) ، في حفلة غاية في الروعة وسماهُ "غريغوريوس" تيمنا بمار غريغوريوس ابن العبري علامة القرن الثالث عشر ، لما رآه صاحب القداسة من أوجه التقارب بين هذين العلمين ، وبهذا فالكنيسة السريانية الارثذوكسية ستستعيد أمجادها بعد ركود طويل .
ولدى عودته إلى أبرشيته، استقبله أبنائها باحتفال كبير. وفعلا لاقى شعبية كبيرة جدا وكانوا يحملونه على الكرسي من دار مطرانية مار توما وحتى باحة الكنيسة ويبقوا على هذا الوضع إلى أن ينهي خطابه ، كانوا يفعلون ذلك خصوصا بالمناسبات البيعية كخميس الفصح والجمعة العظيمة الخ. أما عندما كان يعود من سفره خارج الوطن يستقبله كل من الآباء الكهنة والشمامسة بالشموع والصنوج مرتلين ترتيلة" توبشلوم روعيو شاريرو وامدبرونو حاكيمو " ( هلم أيها الراعي الحكيم )

صورة

وهكذا
في هذه الفترة ظل مطراننا الهمام منصبا على التأليف والترجمة وإلقاء الخطب والمواعظ، إلى جانب مهامه الرعوية.أما معيشته فكانت متواضعة جدا ، وكانت والدته هي التي تقوم بإعداد الطعام والاهتمام به .
.
وفي الثالث والعشرين من حزيران سنة ١٩٥٧م ، رقد بالرب بطريركنا الطوباوي الخالد الذكر والطيب الأثر مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم ،
والذي كان يعزي الشباب السرياني هي أن يعلو المطران بولس السدة البطريركية خلفا لأبيه العظيم مار أفرام الأول برصوم ، وكما يقول عنه أديب المهجر نظير زيتون : " تلميذه النجيب الحبيب ، خليفته في ألمعيته وعلمه وعبقريته ، خليفته في روحانيته وصوفيته ومثله العليا ، خليفته المطرس على آثاره ، والطابع على غراره … " ، يقول احد الرهبان الذي حضر الانتخاب البطريركي ، أن المطران بولس بهنام دخل إلى غرفة وقفل الباب ، والشباب تقرع وتقول: " سيدنا اخرج أنت من نريده بطريركا بعد نياحة بطريركنا العظيم " أما هو فظل في الغرفة ، ثم تنازل المطران جرجس ، مطران حلب بثلاثة أصوات إلى المطران سيوريوس يعقوب ،وبذلك أصبح البطريرك يعقوب الثالث ، ويقال أن الشباب السرياني دق النواقيس مرددا : الآن مات البطريرك أفرام برصوم .أما المطران بولس بهنام فهو لم يطمح أبدا في يوم من الأيام أن يصبح بطريركا ، وتقول والدته ، انه رأى شفيعه مار غريغوريوس ابن العبري في رؤيا وقال له انك ستبقى مطرانا مثلي ، وستكون حياتك قصيرة مثلي أيضا .

في سنة ١٩٥٨م ، رفع المطران بولس بهنام طلبا إلى البطريرك إغناطيوس يعقوب الثالث يطلب منه السماح له بالذهاب إلى السيميناري المتحد في نيويورك لقضاء سنة دراسية هناك ،لم يحصل على موافقته في بادئ الأمر ، لكنه كرر طلبه فبعث إليه البطريرك يعقوب الثالث رسالة تقول له : " إننا لم نكتب إليكم ذلك خوفا منا عليكم من المبدأ البروتستانتي ،ولكن خوفا من أن يكون ذلك وصمة عار في جبين الكنيسة الأرثوذكسية . ولا بد من أن يعيرنا بعدئذٍ الكثيرون بقولهم أن مطراننا قد درس عند البروتستانت كما عيرونا يوم درس سلفنا المرحوم في مدرسة الدومينيكان الابتدائية . من هذا كان خوفنا لا غير . أما وإنكم تلحون على دخولكم هذه الجامعة فلكم ما تريدون . " في بادئ الأمر أرسل المطران بولس بهنام إلى نيافة مار أثناسيوس يشوع صموئيل مطراننا في الولايات المتحدة ليتولى مهمة التقديم له في الجامعة وكان حريص أن يقدم له لقبوله مجانا لعلمه انه لا يملك من المال حتى مصاريف سفره ، وبعد ذلك توالت الخطابات بينه وبين هذه الجامعة . وتجد طيا قارئي العزيز رسالة المطران يشوع ، ورسالة من الجامعة تطلب منه أن يوافيها بتكلفة رحلته ليتسنى لها إرسال المبلغ المطلوب ، ورد المطران بولس على رسالتهم هذه .

صورة

صورة

وهكذا قضى سنة دراسية كاملة هناك ثم غادر نيويورك مساء الخميس الموافق ٢١ تموز( يوليو) ١٩٦٠م ، على ظهر الباخرة ووصل لندن مساء الخميس ٢٨ تموز ، حيث استقبله في محطة لندن قسيس عين خصيصا لهذه الغاية من قبل رئيس أساقفة كنتربري والذي دعاه برسالة خاصة لضيافته . فنزل في قصره ( قصر لمبث ) ووضعوا لزيارته برنامجا هاما جدا . زار خلاله ثلاث كليات لاهوتية بما فيها اوكسفورد . واشهر الكنائس والأديرة والمجمع العلمي . وألقى المحاضرات اللازمة ، والمتحف البريطاني وبعض المكتبات الهامة . ويتنقل في أطراف لندن واستغرق هذا البرنامج شهرين كاملين .
وفي أول يوم من وصوله أقامت رئاسة الأسقفية حفلة عشاء بهذه المناسبة ، دعت إليها أربعة مطارنة بما فيهم مطران لندن ، وعضو من البرلمان البريطاني ، وضابطة الارتباط البريطاني بوزارة الخارجية العراقية ، والوزير العراقي المفوض في لندن والذي وضع في البرنامج إقامة حفلتين في دار السفارة العراقية ، إحداهما حفلة عشاء دعي إليها رجال الدين وأعضاء السفارة العراقية وبعض النواب ، والثانية حفلة كوكتيل دعي إليها الطلاب العراقيون في لندن للتعرف إليهم.
كانت زيارته لاوكسفورد مفيدة جدا . فقد تكلم في معظم كليات الجامعة التي زارها ، واجتمع بأساقفة المناهج الشرقية الذين يدرسون السريانية والعبرية والعربية ، وتباحث وإياهم في مواضيع جد مفيدة . أقام هناك مدة عشرة أيام في احد الأديرة للرهبان الانكليكيان ، الذين يتبعون قانون السكوت . ثم ألقى محاضرات في كليات لاهوتية ( التي تدرس العلوم الشرقية ) . أما في المجمع العلمي فقد ألقى فيه محاضرة في العشرين من أيلول ( سبتمبر ) ، وقد اختار موضوعا فلسفيا حول ( نشاط الكنيسة السريانية في الحقل الفلسفي ) .

هذا ومن أهم المناطق التي زارها في أطراف اوكسفورد ، قصر قديم لملوك انكلترا يسمى ( وينسور كاسل ) يرتقي تاريخه إلى العصور الوسطى ، كانت تسكنه الملكة في بعض أيام السنة ، وفيه كنيسة عظيمة ذات نقوش وزخارف غاية في الجمال . كذلك زار مدينة الشاعر شكسبير ، وبيته الذي ولد ومات فيه ، والكنيسة التي اعتمذ فيها ودفن ، والمدرسة التي درس فيها في أول أيام حياته . ويقول عن تلك الزيارات بأنها كانت مفيدة واخذ الكثير من الصور لهذه المناطق التاريخية ( سننشرها لاحقا حين حصولنا عليها ) .

أما ما جاء به المطران اسحق ساكا في كتابه ( صوت نينوى وآرام ) ، ص . ٦٨ . من انه خطر على باله أن يستقر في أميركا ليخدم كقسيس بسيط فلا محل له من الصحة ، إذ يخبرنا الخوري توما صوفية ، أن ملفاننا الحبيب عندما أنهى دراسته هناك اتصل به هاتفيا وقال له سيدنا أرجوك لا تعود إلى الموصل فالوضع هنا صعب جدا ، وقد لن تحتمل هذه الآلام ، طبعا لم يكن يتصور خطورة الأمر فهو لا يعلم ماذا ستخبئ له الأيام في جعبتها !!! أجابه لا كيف أستطيع أن اترك بلدي وأهلي هم بحاجة لي ! أجابه الأب توما : " سيدنا سأصطحبهم معي " ، لكنه لم يوافق وعاد إلى العراق ليواصل جهاده في سبيل محبوبته ، الكنيسة السريانية ، ولديه أحلام وردية ، ولآلئ لم تزل مخفية في أعماقه السامية ، فعاد … عاد إلى وطنه ..عاد وعلى ثغرهِ ابتسامتهِ الطفولية .. عاد ليأخذ ثمن تعبه وصفعة جهاده .. إنما أنت بوداعتك أيها الحبيب ، أسقطت جمراً على رؤوسهم ، وأشعلت ناراً في قلوبهم ، فهيئوا لك كأسا قاضيا . لأن أعمالك العظيمة ( تقضُ مضاجعهم لأنهم لا يريدون خير الأمة والكنيسة بل يحاولوا أن يُطفئوا النور بأفواههم القذرة . ولكن ساءَ فألهم فان " النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه " ) .
صورة

بقي أن نتطرق إلى حالات " الألم " التي عاشها ، وما مصدر تلك الآلام ؟ الآلام التي رافقته حتى نهاية مشواره القصير على هذه الفانية . ذلك الألم الذي كان يشير إليه في غالبية كتاباته ، وكان عزاءه الوحيد ( خدمته الروحية ) ، إذ كان يستمد قوته من إيمانه العميق برسالته والتي كرس حياته في سبيلها . فأسمعه يقول : " بل إنما نتوخى برسالتنا هذه ، الخدمة الروحية التي أخذناها على عاتقنا منذ نعومة أظفارنا ، وبهذه الخدمة وحدها نحيى وبها نتعزى ، وعلى الله نتكل ، فهو حسبنا ، ونعم الأمل . " (افتتاحية المشرق في سنتها الثانية ) .
دعونا نضع أصابعنا في اثر المسامير . الكثير قال : " بما أن المطران بولس لم يكشف الحقيقة عندما كان على قيد الحياة ! فلماذا سنكشفها بعد رحيله ؟ ! " أجيبهم هذا ما تراه عقولكم المادية المحدودة " لأنه ليس خفي لا يظهر ، ولا مكتومٌ لا يُعلم ويُعلنُ . " ( لوقا ٨ : ١٧ ـ ١٨ ) ، إنكم لا تفقهون لغة التاريخ ! إذ حتى هو بنفسه يضعهم أمام التاريخ فيقول : " إنني أتحداهم بشدة وأستنكر كل ما تخرصوا به كل الاستنكار وأطالبهم أمام الله ـ إذا كانوا يعتقدون بوجود الله ـ وأمام الناس جميعا إذا كان لديهم حياء ويخجلون من الناس ـ وأمام التاريخ إن كانوا يفهمون معنى التاريخ . " فها نحن نقف أمام التاريخ ونعطي ملفاننا الحبيب حقه ، فيتهيب التاريخ من سيرته ويحني هامته خاشعا مقشعرا من قداسته ، ثم ينقش اسمه بذهب إبريز في أنقى صفحاته ، ويضيفه بكل فخر واعتزاز إلى أسلافه الميامين ، أولئك الذين قدموا ذواتهم من اجل الكلمة .إن التاريخ إذا لم يسرد بأمانة يكون تاريخاً مزيفاً ناقصاً ، لذلك سنسرد حياة ملفاننا الحبيب بأمانة وصدق ، فالويل ثم الويل للذي يزيف التاريخ ، والويل لليد التي تخنق الحقيقة ، سنكون مسؤولين أمام التاريخ وأمام الأجيال القادمة فما بُنيَّ على باطل .. فهو باطل ، وماذا سيكون جوابنا في يوم الدين ، فممن نخاف ؟ أمن الله .. أم من الذي لا يخافه ؟؟ مما يذكره المطران اسحق ساكا في كتابه، "نينوى وآرام" ما يلي : " أمضى (المطران بولس) سهرة سيئة جداً مع مار طيمثاوس يعقوب مطران الدير(مار متى) حيث جرى بين المطرانين أحاديث غير طبيعية أتسمت بطابع الجفاء وموضوع ذلك كان تصرفات الرئاسة العليا تجاه المطران بولس . وبعد إن انتهت تلك السهرة المزعجة ، علمتُ أن أموراً جديدة قد لاحت في أفق حياة المطران بولس وأن الشخصين اللذان زاراه أمس في المدرسة الاكليريكية أبلغاه بأن الرئاسة العليا في الكنيسة تنسب إليه الانتماء إلى حزب سياسي أمام مسمع مسؤولين رسميين في الدولة . ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن لمْ تنم له عين وهو غارق في بحر من القلق والاضطراب . ( صوت نينوى وآرام، أو المطران بولس بهنام، المطران اسحق ساكا ،الطبعة الأولى، حلب،1988، ص.67 ـ 68 ) . بقي أن نسأل بعد أن خفف عنا نيافة المطران هذا " اللغز " الخطير .. تُرى مَنْ تكون ( الرئاسة العليا ) في الكنيسة السريانية ؟ وما كان هدفها بعد أن نالت تلك (الرئاسة العليا) ، نحن لسنا الآن بصدد التجريح بشخصٍ ما ومهما كان من أمر فنحن نحترم رموز كنيستنا المقدسة . بل كل ما يهمنا إعلان الحقيقة للتاريخ وسنكتفي كما يحلو لجميع الأطراف بنعتها ( الرئاسة العليا ) ، وإذ لن ننشر جميع الحقائق ليس من اجل هذه الشخصية بالذات ولكن من اجل كنيستنا الحبيبة ، والذي كان عليه من باب أولى ( كرئاسة عليا ) أن يخاف على سمعتها قبل رميه ملفان كبير خدم محبوبته الكنيسة السريانية حتى الرمق الأخير ، لكن شخصية ( أنانية ) كهذه لا تهتم إلا لنفسها ومصالحها قبل مصالح الجميع ، إذ نود أن ننوه انه ليس المطران بولس بهنام كان ضحية هذه الشخصية بل الكثير من المطارنة والرهبان ، لكنهم بالتالي لم يحوزوا على مكانة المطران بولس الأدبية والعلمية ، لذلك لم يسمع الناس عن أمرهم شيئاً يذكر ،لكننا اضطررنا أن نواصل كتابتنا بعد سماعنا برنامج القناة السريانية ( سريويو سات ) وهي تستضيف الأب يوسف سعيد الذي وان كان تلميذا لملفاننا العظيم لكنه لا يمت إليه بصلة قرابة وسنرد بعدئذً على كل سؤال كانت تسأله المذيعة اللامعة مايا مراد في هذه القناة ( سنفرد لذلك فصلا كاملا على حدى ) .


هل يعقل أحبائي أن تلصق تلك الرئاسة تهمة نكراء كهذه بحبر بار كالمطران بولس بهنام ؟ لكن الذي يعزيني هو رد ملفاننا اللوذعي والذي يشير إلى هذا الإنسان مباشرة . ففي سنة ١٩٥٨ ، وبسبب الأحداث السياسية ، وتغيير نظام الحكم من نظام ملكي إلى نظام جمهوري جاء إلى دار المطرانية مجموعة من اللذين ينعتون أنفسهم بأنصار السلام وكان حينها المطران بولس في كنيسة القلعة فبعثت والدته تقول له لا تأتي فلا نعلم ماذا يبغون منك ؟ وعندما لم يجدوه في مقره عاودوا المحاولة ثلاث مرات فقالت لهم والدته حينها : " ماذا تبغون من ابني ؟ " قالوا لها أن يخطب في الجامع . أجابتهم لم نسمع بأن مطرانا خطب في الجامع !!!" . يقال أن احد الرجال أُعجب ببساطتها وصراحتها فأجابها قائلاً : " لا تخافي يا أمي ! ومد يده إلى شاربهِ ( ابنكِ بشاربي ، فمثلما أخذناه سأرجعه بنفسي ) ، ( كلمة باللهجة المحلية العراقية وهو عبارة عن عهد أو قسم يستعمله الرجال في العراق و يلتزموا به ) ، فأخذوه في عربة وهو لا يعلم إلى أين يذهب أو ماذا يريده هؤلاء؟ . ولدى وصوله إلى ( جامع النبي شيت) ، كانوا قد نصبوا في باحة الجامع صليبا خشبياً ، وكان هنالك صرخات وتمتمات ، فارتجل خطابا ابتدأه بعبارة ( الصليب والهلال يتعانقان ) ، وما أن ابتدأ خطبته هذه حتى عم الهدوء والسكينة وكأن الرب حول هؤلاء إلى حملان وديعة!! فعندما ارتاعت والدته قام احد أبناء الكنيسة وهو جار المطرانية بتهدئتها وقال لها سأتبعه لأطمئن عليه ، فتبعه كما تبع بطرس الرسول سيده يسوع المسيح وهو ينظر ذات اليمين وذات اليسار ، ثم عاد وطمئن والدته وروى لها ما رآه ...
أما الرجل الذي تعهد لوالدة المطران اصطحبه إلى الداخل وقال لها : " استلمي أمانتك أيتها الشيخة .. بارك الله في البطن الذي حمله "

يقول المطران اسحق ساكا : " ومن هذا الموقف ومن مواقف أخرى شبيهة استغل بعض المغرضين الفرصة للإيقاع به ، ونسبوا إليه زورا وأفكا عقيدة سياسية ….."
ولقد رد المطران بولس وللمرة الأولى على هذه الافتراءات ، إذ عندما كان يأتيه الأذى من هؤلاء بسبب الغيرة العمياء لم يهتز له جفن ، وخطأ القول بأنه كان( يضعف ) أو ينهار بل على العكس كان يهزأ من هذه المتاعب وكم سمعناه سواء في افتتاحياته للمشرق أو لسان المشرق ، إذ يقول :" نشكرك اللهم لأنك أسبغت علينا نعمك وآلاءك ، ومنحتنا قوة تهزأ بالآلام والعواصف ، وأوصلتنا إلى ميناء السلام ، بعد أن ثارت لجج البحر الخضم على زورقنا الصغير …" ثم يستطرد : " ليست الحياة إلا سلسلة مؤلفة من بضع خطوات ، يمشيها الإنسان تارة متمهلا وطوراً مسرعاً ، وفي كلا النوعين يضع أمامه هدفا من الأهداف فإذا ما بلغ الهدف نسي ما قاسى من الأتعاب والآلام في خطواته السابقة وانفردت فكرته بالتفكير بالفوز فقط ، أما ما صرفه في سبيل ذلك الفوز من الأتعاب والأوصال فلا يحسبه شيئاً لأنه كان بمثابة سلم للصعود إلى هذه الذروة السامقة . "
إننا نورد كلماته لنبين للقارئ ثباته فهو لم " يهرب ابد" لان هذه شيم الجبناء و أما المطران بولس فقد كان شجاعا نبيلا إذ يقول : " إن بين النجاح والإخفاق هوة عظيمة ، ولكنهما صنوان ينبثقان من مصدر واحد ويرجعان إلى هدف واحد هو الإنسان ، ولا فرق في جوهرهما لأن كلا منهما نتيجة من نتائج هذه الحياة . أما الأول ـ النجاح ـ فهو معقود لمن يخوض غمرات المجازفات الكثيرة والآلام المريرة بشجاعة ونبل وثبات ، وأما الثاني ـ الإخفاق ـ فهو نصيب الجبان الذي يخشى ظله ويحسبه وحشاً كاسراً ينقض عليه في وضح النهار . ولما كان النجاح ثمرة الشجاعة والإقدام ، والإخفاق ثمن الجبن والكسل وهذان ينبثقان من القلب البشري ، فكل نجاح يلاقيه المرء في هذه الحياة هو ثمرة شجاعته وثباته بل نغمة من نغمات قلبه ، وكل إخفاق يجابهه في هذه المفازة المقفرة هو ثمرة جبنه ، بل عبرة مؤلمة من عبرات نفسه . "
ثم يعطي أسباب خدمته وتضحياته بقوله : " ونحن في مهمتنا الأدبية هذه ، لا نتوخى إلا فائدة عامة وخدمة نسديها لبني وطننا ، إذ لم نأخذ على أنفسنا العمل في حقل الأدب إلا لأجل فائدة الذين يجانسوننا لغة ووطنا ـ بل أن نبعث صرخاتنا إلى كل قطر ترفرف فوقه الضاد الكريمة بجناحيها البيضاويين الخالدين . فنحن إذاً صائرون إلى النجاح لا محالة بعون الله تعالى لأنه لا يخذل من يريد خدمة أهله وبني وطنه وإخوانه …" أما ما جاء به الأب يوسف سعيد على أن المطران بولس بهنام كان عازفا عن المادة فأليك ما يقوله المطران بولس بهذا الخصوص : " وليعلم جميع قرائنا وأنصارنا الكرام ، إننا لم ننشئ " المشرق " حبا بالمادة الفانية ، لأن " الراهب " الحقيقي أو " الأديب " الحقيقي ، هو الذي يعزف عن المادة ، بل إنما نتوخى برسالتنا هذه ، الخدمة الروحية التي أخذناها على عاتقنا منذ نعومة أظفارنا ، وبهذه الخدمة وحدها نحيى وبها نتعزى ، وعلى الله نتكل ، فهو حسبنا ، ونعم الأمل .. "
وكما قلنا كان يبدو قويا أمام الأتعاب البسيطة التي لم تتعدى حدود ( الغيرة ) ، بل كان قد اتخذها سلما للارتقاء إلى سماء الروح ، ونبراسا ينير له الطريق فنسمعه يقول : " كل الأعمال العظيمة التي قام بها الإنسان منذ فجر وجوده إلى الآن ، إنما قام بها ، والألم ينير له طريق الحياة كمصباح منير ، وكل الأفكار الجميلة السامية التي أتاها عباقرة التاريخ إنما انتزعوها من مهج متألمة وقلوب ممزقة . " ثم يردف : " لم يرو لنا التاريخ أن رجلا مسرورا قام بعمل عظيم في هذه الحياة ، ولكنه يروي أن الألم قذف إلى الحياة الأفكار البشرية الإلهية الخالدة التي تدفقت من ينبوع الآلام البشرية " .

أما قول الأب سعيد على قناة سريويو سات أن المطران بولس بهنام " ما كان يتحمل اضطهاد " فأقول نعم عندما يتعلق الموضوع باتهامه هذا الاتهام الظالم والبعيد عن روح المسيح وحقيقته ، هذا الاتهام الضال والمظلل ، فما عساه أن يفعل ؟؟؟ هذا أولا ونعلق على النقطة الثانية والتي يقول فيها ( هرب إلى بغداد ) ، فالذي حدث أن أعضاء الجمعية وبينهم مدير المدرسة وكان يدعى شيت حاوا جاؤوا إلى المطرانية في الموصل وقالوا له : " يجب ألا تنام هذه الليلة هنا قم معنا لأنهم سوف يأتون عليك ليلا " قال لهم : " من هم ، إنا لم افعل شيئا ولم أؤذي أحدا " قالوا له لا وقت لدينا هلم لتذهب إلى كركوك ومن كركوك ذهب إلى بغداد إذ دعاه خاله الخوري أفرام ونضع هنا الدليل على كلامنا هذا إذ قال له أن يذهب إلى بغداد حتى يرتاح قليلا .

اضطررنا أن نلقي الضوء على قضية اكتنفها الغموض ، والتي أدلى بها الأب يوسف سعيد في برنامج على القناة الفضائية سريويو سات أمام المذيعة مايا مراد إذ قال " إن المطران بولس بهنام هرب إلى القدس بعد الاتهامات التي وجهت إليه ، وهناك لم يكن مرغوبا به " هذا ما أرادته الرئاسة العليا فعندما اجبره أن يذهب إلى القدس قال للطائفة هناك ، سوف يأتي المطران بولس بهنام وليس هناك داعٍ لاستقباله . يحكي لنا احد أبناء الكنيسة من الأراضي المقدسة ، أنهم جهزوا الكشافة السرياني والشمامسة واستقبلوه بالألحان السريانية ، وتناقلت الصحف المختلفة خبر وصوله إلى الأراضي المقدسة .
ومن أعماله في أبرشية القدس انه افتتح معهدا اكليريكيا في دير مار مرقس ، وكان يلقي الخطب الدينية وتنقلها الإذاعة الأردنية كما انه أصدر كتيبا عن تاريخ دير مار مرقس . وعند إلقائه الخطب الدينية كان الشعب يتبعه في كل مكان ويحكي احد أبناء الطائفة هناك انه في خلال إقامته في القدس ذهب والداه لزيارته وفي إحدى المرات ، وخلال أسبوع الآلام إذ تغص الكنيسة هناك بالمؤمنين وبينما حان وقت الخطاب نظر ولم يجد والديه ، فيقول اصبح ينظر شمالا ويمينا ، فقال ذهبنا واتينا بهم وأجلسناهم أمامه ، ثم قلنا له هات ما عندك ويردف ، حينها تدفق في الخطاب واسمعنا لآلئه الحسان .
وهناك أصيب بالجلطة القلبية ، وكان يطلب من الجميع ألا يبلغوا والديه بالأمر ، إذ كانا قد فقدا بصرهما ، وكان هو النور الذي يهتديان به فيضيء ظلام حياتهما .

إليكم الصحف التي تناولت خبر وصوله إلى القدس .والرسالة التي تثبت انه أُرغم على الذهاب فيقول له : " تجردوني من كل أمل لي في خدمة الكنيسة في العراق . " نشرنا هذه الوثائق للحقيقة والتاريخ لقد اتهمه خلال البرنامج أكثر من مرة بأنه " هرب " فتلك من شيم الجبناء ، لم يكن المطران بولس بهنام ضعيفا خائفا ، بل عاش أبيا ثائرا ، ونفي مظلوما ، ومات شهيد الإيمان فنسمعه يصرخ من الأعماق مع الرسول بولس الرسول في أكثر من مرة ويقول :" من سيفصلني عن محبة المسيح ؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيفٌ ؟…….. ( رومية ٨ : ٣٥ ـ ٣٩ )

اعلم عزيزي القارئ بأنك تعبت معي ولكن استسمحك صبراً ، فالطريق إلى الجلجلة وعرٌ شائك ونحن على مشارف نهايات الجهاد فلا تترك يدي ولنتوغلها معا فلدي المزيد في مرحلتي الأخيرة ، إلى أن ألقاك ، فلتكن صلواته مع جميعنا آمين .

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

===========================================

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

العودة إلى “حياته”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron

تسجيل الدخول  •  التسجيل