الجزء الثالث من حياة الملفان بولس بهنام المفقودة بين طيات الزمان

تلميذة المطران

مراقب عام
مشاركات: 114

الجزء الثالث من حياة الملفان بولس بهنام المفقودة بين طيات الزمان

مشاركة#1 » السبت مايو 07, 2011 1:46 am

الجزء الثالث من
حياة الملفان بولس بهنام
المفقودة بين طيات الزمان


صورة


4 ـ وصوله إلى دار البطريركية في حمص : ـ

نحن الآن في حمص قارئي العزيز، نراقب وصول قداسة البطريرك مار أفرام الأول برصوم ، وبصحبته راهب في مقتبل العمر ، ينظر إلى قداسته بعينين تتقدان بالحماسة والغيرة والذكاء . ثم نتبعهما إلى مكتبة الدير العامرة النفيسة ، فتتحول نظرات راهبنا إلى معلمه البطريرك ، تستأذنه بالسماح له بالمكوث في قاعة المكتبة ، ليغوص في مكنوناتها الثمينة ، فنسمع صوت البطريرك القديس يقول له : ـ
" أنظر يا بني .. إننا لا نستطيع أن نعطي الطفل الصغير الطعام دفعة واحدة ! بل نبتدئ بالحليب ، ثم اللبن ، وحالما تنمو أسنانه ، يستطيع أن يمضغ الطعام ويهضمه ، وأنت أيضاً بني عليك أن تمر في هذه المراحل ، لتهضم المعرفة ، لتبثها بدورك إلى أبنائك في كل مكان .
" تذكرنا كلمات قداسته أحبائي بالكلام الذي قاله بولس الرسول :

" سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ ... 1 كو 3 : 2 "
ثم أستدعى مدرساً خصيصاً بالفلسفة ليُعِدَّ (بولس) فارساً قوياً ، لخدمة كنيسته السريانية العظيمة ، وهكذا راح راهبنا الهُمام يتلقى دروسه بحرص وانتظام ، حتى أكمل عاماً دراسياً كاملاً . أجتمع بعدها أستاذ الفلسفة بقداسة البطريرك ، قائلاً له :
" إن تلميذك النجيب لا يحتاج إلى المزيد من الحصص الدراسية ، إذ تمكن تماما من المادة ." فاستدعاه البطريرك إلى المكتبة وأراه المجلدات الضخمة وراهبنا يراها جنائن غناء ، كثيرة الأزهار ، متعددة الأثمار ، وأعلمه إن باستطاعته البحث والاستزادة بالعلوم والأدب ما شاء من الوقت .
وابتدأ الراهب بولس يتغذى بـ "غذاء النفس " كما يسميه في بحثه عن الفيلسوف موسى بن كيفا يقول :
" فالنفس تتغذى بالعلم والمعرفة " ، وهكذا راح يطوي الليالي يتغذى بالعلم ويستزيد بالمعرفة .


5 ـ التحاقه بالإكليريكية الأفرامية : -

تأسست هذه المدرسة بجهود بطريركنا العلاّمة مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم ، في مدينة زحلة (لبنان) ، وفتحت أبوابها لتستقبل الطلاب في 29 آذار(مارس) ، عام 1939م . وكان الراهب بولس بهنام أول طالب يدخل هذا الصرح العظيم ، الذي يذكرنا بمدارسنا العظيمة ، كمدرسة نصيبين والرها وغيرهما من معاقل العلوم لدى السريان . درس فيها العلوم البيعية والطقوس الكنسية واللغة الفرنسية ، وقام بتدريس اللغة السريانية .
(أنظر كتابه "نفحات الخزام" ، ص.46) ، وهكذا عاش في زحلة حتى عام 1945م ، إثر انتقال الإكليريكية إلى الموصل (العراق) ، بأمر من قداسة البطريرك إغناطيوس أفرام .
ابتدأ الراهب بولس بهنام بنشر مقالاته وأشعاره وهو في لبنان ، ثم واصل نشاطه الشعري في مجلات عديدة منها " الضاد الحلبية " ، و " الحكمة " .
لقد لعب لبنان دوراً هاماً في ثقافته اللغوية والشعرية . ففي السنوات التي قضاها في هذا البلد اطلع خلالها على الأدب العربي الحديث ولاسيما أدب المهجر وبوجه خاص على مؤلفات أعلام الرابطة القلمية ، كجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي ، وعلى بعض كتاب الأدب العربي المعاصر أمثال عيسى اسكندر المعلوف ورياض معلوف وحليم دموس وسعيد عقل وأمين نخلة وألبير أديب ونظير زيتون
( أنظر مقدمة كتابه " نفحات الخزام " ) . يظهر من دراستنا لمسيرة المطران بولس بهنام الأدبية أنه تأثر تأثراً عميقاً بأدب المهجر ، وهذا ما نلمسه في كتاباته النثرية والشعرية ، لاسيما جبران خليل جبران كما يبدو من الصيغة الرومانسية التي تطبع أعماله ، والرمزية المجنحة بصورها المستوحاة من الطبيعة حيث يتعدى الشكل المضمون كقصيدة الأرز ، وإليك بعض الأبيات من مقدمتها النثرية الرائعة بالصـــــور التاريخيـــــــة إذ يقول :
" هي سانحة من سانحات الحياة ، ويد الدهر ترفعني فوق هاتيك القمم العالية لتريني التاريخ كالشيخ المتهدم يغفو تحت ظل الأرز ، والعصور منحنيات الظهور متضائلة أمام هيبته وجلاله ، وغابة الأرز في هدأة وقورة تحيطها الرواسي السامقات مكللة بالثلج الناصع .... "
ثم يردف :
" ففي هذه الغابة جمد الغزاة الأقوياء ، والفاتحون الجبابرة ، وهنا جثم حيرام ملك لبنان العظيم ليقطع الأرز فيرسله لصديقه سليمان ليبني هيكل الرب ، وفي هذه الشعاب سار سنحاريب سيد آشور خاشعاً متضائلاً ، وأمام هذه الهيبة انحنت كبرياء أسرحدون العنيد ..... " .
وهكذا نسمع التاريخ يتكلم بقطع نثرية غاية في الجمال ، مستميلة للخيال ، فكان إذ يصف شخصية تاريخية يجعل عجلة التاريخ تعود بنا قروناً عديدة لنرى شخصياته ماثلة أمامنا ، فإذا يصف الأم أفتونيا وابنها يوحنا يقول :
" كنت ترى في ذلك القصر الذهبي ، سيدة وقورة جمعت بين الحكمة والتقوى ، وتألقت في عينيها السوداوين الواسعتين ، أنوار النبل والفضيلة والشمم ، وخمسة صبيان غضي الأهاب ، جمعوا بين الجمال المتألق والرزانة الفاتنة ، وكان أصغرهم طفلاً لما يتجاوز الخامسة من حياته ، وضاءْ الجبين ، عميقْ النظرات ، يزينُ هامته شعر جميل تهدل على كتفيه ، ذلك كان يوحنـــــا الذي أتخذه الـــــروح القدس إناءً مصطفى ."
نستطيع الافتراض بأن غالبية أشعاره قد نظمها في مرحلة الدراسة في لبنان ( 1939 ـ1945 م ) ، وهذا الافتراض وليد واقع تاريخي ، فأشعاره التي نشرت في الفترات اللاحقة خصوصاً المواضيع التي عالجها تعبر كلها عن الحنين لوطنه الذي عاش بعيدا عنه .

تابعونا أحبائي في مرحلة قادمة من حياة ملفاننا الكبير

العودة إلى “حياته”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron

تسجيل الدخول  •  التسجيل